الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين ، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وعنا معهم بمنك وكرمك وعظيم فضلك يا أكرم الأكرمين . . . أما بعد :
فإننا سوف نستقبل بعد أيام قلائل ، يوماً عظيماً من أيام الله تعالى ، يوماً مشهوداً ، ألا وهو يوم عرفة ، وبعده سيقدم يوم عيد الأضحى المبارك ، وهو يوم الحج الأكبر ، ويوم النحر ، ولكلٍ من اليومين أحكام تخصه ، ولعلنا نتطرق إلى بعض تلك الأحكام المهمة التي تهم المسلم ، ويريد تحريها ، ومعرفة أحكامها ، حتى تكون عبادته لربه تبارك وتعالى على بصيرة وهدى ونور ، وأعظم ما فيهما من أحكام ، الأحكام التي تتعلق بالصيام ، فأقول بادئ ذي بدء ، للصيام فوائد ومزايا كثيرة ، ينبغي للمسلم تتبعها وتقصيها ، حتى يعمل بها ، ففي صيام التطوع من الفضيلة ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز بقوله : " فمن تطوع خيراً فهو خير له " [ البقرة ] ، وقوله جل شأنه : " وافعلوا الخير لعلكم تفلحون " [ الحج ] فكل إنسان يحتاج إلى فعل الخير والعمل الصالح تقرباً إلى الله وتعبداً له وزيادة في الأجر والثواب فعطاء الله لا ممسك له ، وثوابه لا حدود له ، فعلى المسلم أن يكثر من فعل الخير والعمل الصالح يرجو بذلك أحد أمرين :
الأول : التقرب إلى الله بفعل الخير :
فصيام التطوع من الأعمال التي تقرب إلى الله تعالى ، وهو من أجلها على الإطلاق كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : الصيام أفضل ما تطوع به ، لأنه لا يدخله الرياء ، والرياء كما تعلمون محبط للأعمال مدخل للنيران والعياذ بالله ، فالعبد مأمور بالإخلاص ولهذا قال الله تبارك وتعالى : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء " [ البينة ] ، وقال تعالى : " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً " [ الفرقان ] ، وقال الله تعالى : " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً " [ الإسراء ] ، وقال جل وعلا : " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " [ هود ] ، وقال صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى : " أنا خير الشركاء من عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك " [ رواه الإمام أحمد ] ، فانظر هل سينفعك ذلك الإنسان إذا وضعت في قبرك ويوم محشرك . ولهذا كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة " [ رواه ابن ماجة وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 1313 ] .
فعموماً فصوم النافلة له مزايا عديدة من أعظمها أنه يباعد وجه صاحبه عن النار ، ويحجبه منها ويحاج صومه عنه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم عن وجهه النار سبعين خريفاً " [ متفق عليه ] ، وكثرة الصوم دليل على محبة الله للعبد ، ويالها من منزلة عالية ومكانة رفيعة يحظى بها العبد عند ربه فما أن يكثر من الصيام إلا ويحبه ربه ، ومن أحبه ربه وضع له القبول الأرض وفي السماء ، قال صلى الله عليه وسلم : " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " . والفضائل كثيرة ونكتفي بما ذكرنا لأن المقام ليس مقام ذكر لفضائل ومزايا الصيام وإنما هو لغرض آخر .
الثاني : جبر الخلل الحاصل في العبادة :
فالإنسان لا يخلوا من خطأ ونقص ومعصية ، فكانت النوافل تكمل الناقص من الفرائض ومن ذلك الصوم ، فهناك مكروهات كثيرة قد يقع فيها صائم الفريضة تنقص أجر صومه ، فشرعت النافلة لسد ذلك النقص وترقيع ذلك الخلل .
فكل ابن آدم خطاء ، والكل يجوز عليه الذنب والخطيئة ، فشرع التطوع لجبر ذلك النقص ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : " التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة " [ رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه أحمد شاكر في تحقيق المسند ] ، فالمسلم يسعى لزيادة الأجر ، وتحصيل المثوبة من الله تعالى ، ولا يتأتى ذلك إلا بفعل الواجبات والإكثار من المستحبات ، ومنها الصوم المستحب ، مثل صوم يوم عرفة . وهناك أيام وأشهر رغب النبي صلى الله عليه وسلم في تحري صيامها لما فيها من أجر ومثوبة ، وهي من صوم التطوع . ومن ذلك :
فضل صوم يوم عرفه :
وهو اليوم التاسع من ذي الحجة ، وقد أجمع العلماء على أن صوم يوم عرفة أفضل الصيام في الأيام ، وفضل صيام ذلك اليوم ، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" صيام يوم عرفه أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده " [ رواه مسلم ] . فصومه رفعة في الدرجات ، وتكثير للحسنات ، وتكفير للسيئات .
ماذا يكفر صوم يوم عرفة :
فعموماً لا ينبغي صيام يوم عرفة للحاج أما غير الحاج فيستحب له صيامه لما فيه من الأجر العظيم وهو تكفير سنة قبله وسنة بعده . والمقصود بذلك التكفير ، تكفير الصغائر دون الكبائر ، وتكفير الصغائر مشروطاً بترك الكبائر ، قال الله تعالى : " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم " [ النساء ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينها إذا اجتنبت الكبائر " [ رواه مسلم ] .
صوم يوم عرفة للحاج :
فيستحب صيام يوم عرفه لغير الحاج أما الحاج فعليه أن يتفرغ للعبادة والدعاء ولا ينشغل فكره وقلبه بالطعام والشراب وتجهيز ذلك ، فيأخذ منه جُل الوقت ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة " [ رواه أحمد وابن ماجة وفي صحته نظر ] ، وأيضاً مثله عند الطبراني في الأوسط من حديث عائشة رضي الله عنها قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات " ، ويعضدهما حديث : " أن الناس شكوا في صومه صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ، فأرسل إليه بقدح من لبن فشربه ضحى يوم عرفة والناس ينظرون " [ رواه البخاري ومسلم ] .
فعندما شك الناس في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة جاءه قدح لبن فشربه حتى يرى الناس أنه لم يصم ، وقال بعض العلماء أن صيام يوم عرفة للحاج محرم ، لأن النهي في الحدث السابق للتحريم ، وكره صيامه آخرين ، قال ابن القيم رحمه الله : وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إفطار يوم عرفة بعرفة . انتهى .
وقال المنذري : اختلفوا في صوم يوم عرفة بعرفة ، قال ابن عمر : لم يصمه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أبو بكر ، ولا عمر ، ولا عثمان ، وأنا لا أصومه . ولفظه عند عبدالرزاق : " حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصم يوم عرفة ، وحججت مع أبي بكر فلم يصمه ، وحججت مع عمر فلم يصمه ، وحججت مع عثمان فلم يصمه ، وأنا لا أصومه ، ولا آمر به ، ولا أنهى عنه " [ 4/285 ] .
وقال عطاء : من أفطر يوم عرفة ليتقوى به على الدعاء كان له مثل اجر الصائم . [ مصنف عبد الرزاق 4/284 ] .
وقال الساعاتي في الفتح الرباني : وممن ذهب إلى استحباب الفطر لمن بعرفة الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري ، والجمهور ، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين ، وقال : هو أعدل الأقوال عندي .
صوم التطوع لمن عليه قضاء :
اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان .
فذهب الحنفية إلى جواز التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان من غير كراهة ، لكون القضاء لا يجب على الفور ، قال ابن عابدين : ولو كان الوجوب على الفور لكره ، لأنه يكون تأخيرا للواجب عن وقته الضيق .
وذهب المالكية والشافعية إلى الجواز مع الكراهة ، لنا يلزم من تأخير الواجب ، قال الدسوقى : يكره التطوع بالصوم لمن عليه صوم واجب ، كالمنذور والقضاء والكفارة .سواء كان صوم التطوع الذي قدمه على الصوم الواجب غير مؤكد ، أو كان مؤكداً ، كعاشوراء وتاسع ذي الحجة على الراجح .
وذهب الحنابلة إلى حرمة التطوع بالصوم قبل قضاء رمضان ، وعدم صحة التطوع حينئذ ولو اتسع الوقت للقضاء ، ولا بد من أن يبدأ بالفرض حتى يقضيه ، وإن كان عليه نذر صامه بعد الفرض أيضا، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله وسلم قال (( من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه فإنه لا يتقبل منه حتى يصومه )) [ رواه أحمد ] ، وقياساً على الحج . في عدم جواز أن يحج عن غيره أو تطوعاً قبل حج الفريضة . [ الموسوعة الفقهية 28 / 100 ] .
وهذا سؤال ورد إلى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء :
هل يجوز للشخص أن يشرك النية في عمل واحد أو لعمل واحد ، فمثلاً يكون عليه قضاء يوم من شهر رمضان وجاء عليه يوم وقفة عرفة ، فهل يجوز أن ينوي صيام القضاء والنافلة في هذا اليوم وتكون نيته أداء القضاء ونية أخرى للنافلة ؟
الجواب : لا حرج أن يصوم يوم عرفة عن القضاء ويجزئه عن القضاء ولكن لا يحص له مع ذلك فضل صوم عرفة ، لعدم الدليل على ذلك . لكن الأفضل للإنسان أن يقضي ما عليه من الصوم في غير يوم عرفة ، ليجمع بين فضيلتين ، فضيلة القضاء ، وفضيلة صوم يوم عرفة . [ 10/397 – 398 ] .
فأقول : من صام يوم عرفة بقصد التطوع وعليه أيام من رمضان فصيامه صحيح ، والمشروع له ألا يؤخر القضاء لأنه لا يدري ما يعرض له من نوائب الدهر ، فنفس الإنسان بيد الله لا يدري متى يأتيه أجله المحتوم ، فليبادر بالقضاء قبل التطوع ، لأن القضاء حق لله تعالى ، لا تبرأ به ذمة المسلم ، فالأحوط له أن يبادر بالقضاء ثم يتطوع بعد ذلك بما شاء ، قال صلى الله عليه وسلم : " اقضوا الله فالله أحق بالوفاء " [ رواه أحمد بسند صحيح ] وقال عليه الصلاة والسلام : " فدين الله أحق بالقضاء " [ رواه مسلم ، انظر مسلم بشرح النووي 7/266 ] .
يوم عرفة ويوم الجمعة :
إذا وافق يوم عرفة أو يوم عاشوراء يوم جمعة جاز إفراده بالصوم ، والنهي الوارد عن إفراد صوم يوم الجمعة بدون سبب ولكونه يوم جمعة ، أي تعظيماً له أو ما شابه ذلك ، أما من صامه لأمر آخر رغب فيه الشرع وحث عليه فليس بممنوع ، بل مشروع ولو أفرده بالصوم ، ولو صام يوماً قبله بالنسبة ليوم عرفة كان أفضل ، عملاً بالحديثين السابقين ، أما صيام يوم بعده فلا يمكن لأن اليوم الذي بعده يوم عيد النحر وهو محرم صيامه لجميع المسلمين حجاجاً كانوا أم غير حجاج لحديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نهى عن صوم يومين : يوم الفطر ويوم النحر " [ متفق عليه ] ، وروى أبو عبيد مولى ابن الأزهر قال : " شهدت العيد مع عمر بن الخطاب ، فجاء فصلى ، ثم انصرف فخطب الناس ، فقال : إن هذين يومين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما ؟ يوم فطركم من صيامكم ، والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم " [ رواه البخاري ومسلم ] ، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه وتحريمه .
وقد أجمع العلماء على تحريم صوم يومي العيدين ، نقل الإجماع عنهم ابن حزم فقال : " وأجمعوا أن صيام يوم الفطر ، ويوم النحر لا يجوز : [ مراتب الإجماع ص72 ] . وقال ابن هبيرة : " وأجمعوا على أن يوم العيدين حرام صومهما ، وأنهما لا يجزئان إن صامهما لا عن فرض ولا نذر ولا قضاء ولا كفارة ولا تطوع " [ الإفصاح 3/174 ] . وقال ابن قدامة : أجمع أهل العلم على أن صوم يومي العيدين منهي عنه ، محرم في التطوع والنذر المطلق ، والقضاء والكفارة .
وكذلك لا يجوز صيام التطوع كالاثنين والخميس أو أيام البيض إذا وافقت أيام التشريق ، وهي الحادي عشر ، والثاني عشر ، والثالث عشر من ذي الحجة ، لحديث نبيشة الهذلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله " [ رواه مسلم وغيره ] ، ولم يرخص في صيامها إلا للحاج المتمتع والقارن الذي لم يجد قيمة الهدي فإنه يصوم عشرة أيام ، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، لحديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهما : " لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي " [ رواه البخاري ] وقولهما لم يرخص القول : للنبي صلى الله عليه وسلم والأمر وعدم الترخيص له بعد الله تبارك وتعالى .
صلاة العيد وصلاة الجمعة :
قال صلى الله عليه وسلم : " قد اجتمع في يومكم هذا عيدان ، فمن شاء أجزأه من الجمعة ، وإنا مجمِّعون " ، فالسنة حضور العيد والجمعة معاً في ذلك اليوم ، لأنه يوم جمعة فالأفضل حضور الصلاتين جميعاً ، هذه هي السنة ويظهر ذلك واضحاً جلياً وظاهراً بيناً في قوله عليه الصلاة والسلام : " وإنا مجمِّعون " أي أنه سيجمع بين حضور الصلاتين ، لأن صلاة العيد ، فرض كفاية ، وقيل فرض عين وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ذوات الخدور والحيض بحضور صلاة العيد وأن يجتنبن المصلى فقالوا : هذا دليل على وجوبها على الأعيان ، لكن جماهير العلماء على أنها فرض كفاية ، لكن أقول : لا ينبغي للمسلم المؤمن الحق الذي يرجو رحمة الله ويخشى عقابه أن يفرط في مثل هذه الشعيرة العظيمة التي هي رمز وشعار من شعارات المسلمين ، فهب أنك لم تحضر لصلاة العيد وكانت فرض عين ، وسألك الله عن عدم حضورك لها ، فيا أخي المسلم ويا أختي المسلمة حافظوا على هذه العبادة العظيمة ، واهتموا بها وعظموها بتعظيم الله لها .
فإذا وافق يوم العيد يوم جمعة ، فالصحيح أن من حضر صلاة العيد أجزأته من الجمعة فتسقط عنه صلاة الجمعة ، ويصليها ظهراً في بيته ، أما من فاتته صلاة العيد لعذر من مرض ونحوه فيجب عليه وجوباً أن يصلي الجمعة ، وأما إمام الجمعة فتجب في حقه الصلاتين ، صلاة العيد ، وصلاة الجمعة . لأنها لا تقوم إلا به .
نسأل الله تعالى بفضله ومنه وكرمه أن يوفقنا جميعاً للعمل الصالح ، والعلم النافع ، وأن يفقهنا في ديننا ، وأن يعلمنا ما ينفعنا ، وأن يزيدنا علماً ، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ، إنه سبحانه خير مسؤول وخير مأمول ، والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ، والحمد لله رب العالمين . "

سلسلة (رَوْعَــةُ الوَداع) .. (3) بدايَةُ الآلام
رَجَعَ النبيُّ صلّى الله عليهِ وسلّمَ من حجّةِ الوداع بعد ما بذلَ الجهد العظيم في بيانِ مناسِكِ الحج وسُننهِ
وآدابه .. بل إنَّهُ أعطى النّاس القواعدَ العُظمى لدينِ الله عزّ وجل ، وأمّا ما سواه فقد أعلنَ أنَّهُ تحتَ قدمه ... ومن ثمَّ استشهدَ النّاسُ على أنّه قد بلَّغَ رِسالةَ ربِّه ، وأدّى أمانته
.. فكانَ جوابُهم .. لقد بلّغتَ وأدّيت ..
فيقول صلّى الله عليهِ وسلّم : " اللهمَّ قد بلّغت .. اللهمَّ فاشهد "
نعم .. إنَّها الأمانةُ العُظمى .. والمسؤوليَّةُ الكُبرى التي كانت على عاتِقِ النبيِّ صلّى الله عليهِ وسلّم ..
إنَّها (بحقٍّ) أعظَمُ مسؤوليّةٍ تحمّلها إنسان ..
إنَّها رسالَةٌ مفتوحةٌ على الأرضِ كلّها ..
إنَّها رسالَةٌ شامِلَةٌ لجميعِ الأجناسِ من الثقلين ..
إنَّها رسالَةٌ قد استغرقت ما بقيَ من الزّمن .. من لدُن بعثتهِ إلى قيامِ السّاعة ..
إنَّها مهمّةٌ تختلِفُ عن مهامِ إخوانِهِ من الأنبياء قبلَه .. فأولئكَ عليهمُ السّلام كانوا لأقوامٍ بعينهم .. ولأجَلٍ مُسمّىً من الزمن .. أمّا هو
صلّى الله عليهِ وسلّمَ فكانت للثقلينِ إلى قيامِ الساعة .
قَرَأَ عليهِ ابنُ مسعودٍ رضيَ الله عنه ذات مرّةٍ آياتٍ من سورةِ النّساء حتّى وصلَ إلى قولِهِ تعالى : (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا
بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا) .. فاستوقَفه النبيُّ صلّى الله عليهِ وسلّمَ وعيناهُ تذرِفانِ الدمع
..
إنَّهُ ليستحضِرُ قول الله تعالى : (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) .. وكذلك قولهُ تعالى
في سورةِ المائِدة : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) ..
وما هي إلاّ أيامٌ من عودَتِهِ صلّى الله عليهِ وسلّم حتّى بدأَ رِحلتَهُ القصيرةَ مع
المرض..
وبالتحديد في يومِ الخميس بدأَت الأوجاعُ بهِ صلّى الله عليهِ وسلّم .. آلامٌ شديدة في
رأسِهِ الشريف .. مرَّ في هذهِ الأثناء على عائشة رضيَ الله عنها وهي مُضطجِعة فقالَ لها :
"ما بالُكِ يا عائشة ؟" .. فقالت : وارأساه .. فقالَ النبيُّ صلّى الله عليهِ
وسلم : "بل أنا وارأساه" ..
نعم .. فما الذي تحمَّلتهُ بنتُ الصدّيقِ رضيَ الله عنها وقد قالت : وارأساه .. أمام ما تحمّلهُ النبيُّ صلّى الله عليهِ وسلّمَ من المسؤوليّة ، وما تعرّضَ له من المُعاناة .. وما عالجهُ
من أمورِ النّاس .. إنَُّه الأحقُ والأقرب ..
(نفسي ومالي فِداه) .. بقوله : بل أنا وارأساه ..
أمّا ابنُ عبّاسٍ رضيَ الله عنه فكانَتِ الأطيافُ تمرُّ به في أيّامِ الخميس ، فيأخُذُ يتذكّرُ حبيبَهُ صلّى الله عليهِ وسلّمَ ويقول : يومُ الخميس وما أدراكَ ما يومُ الخميس .. ذاكَ اليوم
الذي ابتدَأَ المرضُ به صلّى الله عليهِ وسلّم ،ويبكي رضيَ الله عنه حتّى تتحدَّرُ منهُ
الدموعكأنَّها نِظامُ اللؤلؤ .

_______________

سلسلة (رَوْعَــةُ الوَداع) .. (2) إشاراتُ الوَداع
أعلنَ النبيُّ صلّى الله عليهِ وسلّمَ للنّاسِ عن رحلَتِهِ إلى مكّة من أجلِ الحج .. وكانَ ذلكَ في العامِ العاشرِ من الهجرة .. فبدأت النّاسُ تتوافَدُ على المدينة ، صِغاراً وكِباراً .. رِجالاً ونِساءً .. كلُّهم يُريدُ الفوزَ بصُحبةِ النبيِّ صلّى الله عليهِ وسلّم والائتمامِ به .
سُمّيت تلكَ الرحلة بـــ " حجّةُ الوداع " معَ أنَّها الحجّةُ الوحيدةُ له صلّى الله عليهِ وسلّم ، وما ذاكَ إلا لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليهِ وسلّم أشارَ في ثنايا حجّتهِ بقُربِ وفاته ودنوِّ أجلِه .
فها هو يقولُ للصحابةِ رضيَ الله عنهم وهو يرمي جمرةَ العقبة : " أيُّها النّاس خُذوا عنّي مناسِكَكُم فلعلّي لا ألقاكُم بعدَ عامي هذا ... " .
وفي يومِ عرفة يُنْزِلُ الله عليهِ تلكَ الآية العظيمة في سورة المائدة : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) .. فتكونُ إشارةً ثانيةً إلى دُنوِّ الأجلِ بعدَ إكمالِ الدين وإتمامِ النعمة .
وفي أواسِطِ أيامٍ التشريق يأتيهِ جبريلُ عليهِ السلام ليُوحي إليهِ بسورةِ النصر : (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) ..
نعم .. إنَّهُ الأمرُ بالتسبيحِ والتحميدِ والاستغفارِ وأنتَ تقتَرِبُ من نهايةِ مُهمّتك .. وإتمامِ رِسالَتك .. وهكذا فَهِمَ عُمرُ بن الخطّابِ وعبدُ الله بن عبّاسٍ (رضيَ الله عنهما) أنَّ نفسَ النبيِّ صلّى الله عليهِ وسلّمَ قدنُعيَت إليه .
يقومُ النبيُّ صلّى الله عليهِ وسلّم خطيباً في النّاسِ فيقولُ في ثنايا خُطبته : " إنَّ عبداً من عبادِ الله ، خيّرَهُ الله بينَ زهرة الحياة الدُنيا وبينَ ما عِندَه ،فاختارَ ما عِنده " ..
فيتكلَّمُ أحدُ الصحابةِ رافِعاً صوتهُ بِعباراتِ التضحيةِ والصِدقِ والفِداء .. يتكلَّمُ أبو بكرٍ الصدّيق رضيَ الله عنه ويقول : نفديكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا يا رسولَ الله ..
فيستغرِبُ بعضُ الصحابةِ لهذا القول ويقول : ما لهذا الشيخِ الكبير يقول مقالَتَه وقد سَمِعَ من النبيِّ صلّى الله عليهِ وسلّم ما سمع !..
لكنَّهُم سُرعانَ ما عرفوا أنَّ هذا الشيخ الكبير كان أفقهَهُم وأعلمَهُم ..
فإنَّ تلك العبارات من النبيِّ صلّى الله عليهِ وسلّم كانت بمثابة التوديعِ لأحبابِهِ وأمَّته .. فقد كانَ اختيارُ النبيِّ صلّى الله عليهِ وسلّم واضِحاً لا تردُّدَ فيه .. " فاختارَ ما عِندَه " ..
وبعدَ هذا الفهمِ الدقيق ، والأحاسيسِ الصادقة في قلبِ أبي بكرٍ (رضيَ الله عنه) ذاكَ الرّجلُ النحيلُ في جسمه ، والعظيمُ في إيمانه .. يرُدُّ النبيُّ صلّى الله عليهِ وسلّم عليهِ مُعلِناً مكانَتهُ في قلبهِ فيقول : " إنَّ مِن أمنِّ النّاسِ عليَّ في أهلهِ ومالِهِ أبا بكر ... ولو كنتُ مُتَّخِذاً خليلاً لاتّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً ولكنَّ صاحبكم خليلُ الرحمن " ..
فهنيئاً لكم يا آل أبي بكرٍ بهذهِ المكانةِ العالية .. والدرجةِ الرفيعة ..
ألا بمثلِ هذافليفتخرِ المفتَخِرون .
كانت العادة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يعتكِفُ عشرة أيّامٍ من رمضان رجاءَ موافقة ليلة القدر ... حتّى استقرَّ أمرُهُ باعتكافِ العشرِ الأواخرِ من رمضان لتضمّنها تلكَ الليلة الشريفة .. وكانَ جبريلُ عليهِ السّلام يأتيهِ في رمضان ليُدارسه القرآن كاملاً .. أمّا في السّنة العاشرة فقد زادَ الأمرُ رغبةً إلى الله ومذاكرةً لكتابه ، فقد دارسَهُ جبريلُ القرآنَ مرّتين ..
كلّ هذا إشاراتٌ ودلالاتٌ على اقترابِ موعدِ الرحيل ، ولقاءِ الله لعبدهِ الخليل ..
فما أجملهُمن موعد .. وما أشرفهُ من مشهد ..
سلسلة (رَوْعَةُ الوَداع) ..
(1) تقديمٌ وتمهيد
ما أجملَ ! .. بل ما أوجَبَ أن يعيشَ المرءُ تحتَ ظلالِ سيرةِ النبيِّ صلّى الله عليهِ وسلّمَ بينَ الحينِ والآخر .. بل في كلِّ حين ..
يرتَشِفُ من معينها .. ويستضيءبنورِها .. ويهتدي بهُداها ..
فاكتُب أيُّها القلمُ ما يروقُ لك .. فإنَّكَ لن تَخُطَّ سواداً في بياض (بعد الكتابةِ عن الله تعالى) أصدقَ ولا أشرفَ من الكتابةِ عننبيّهِ صلّى الله عليهِ وسلّم ..
فلا أظُنّك تُبالغُ مهما مَدَحت ..
ولا إخالك تتجاوزُ مهما أثنيت ..
ما دُمتَ سائراً علىنهجه ، ومُستضيئاً بنورِ هُداه ..
فيا ليتَ شعري ما الذي ستراهُ في هذه الحياةِ السامية ..
أدبٌ عظيمٌ .. وخُلُقٌ فاضِلٌ وجميل ..
تعامُلٌ رائعٌ .. وكلامٌ صادِقٌ ونبيل ..
إيْتِهِ من جُودِه .. تجدْهُ يُعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر ..
وإيْتِهِ منرحمَتِه .. تجدْهُ قد أُعطيَ رقَّةً في القلب وسَعَةً في الصدر ..
وإيْتِهِ من صَبرِه .. تجدْهُ قد بَلَغَ القمّة في جميلِ الصبر ..
ألا ما أصدَقَ سيرَتَهُ وأعطَرَها ..!
وما أصفى سريرَتَهُ وأروَعها ..!
قدوةٌ للحاكِمِ مع محكوميه..
وأُسوةٌ للوالِدِ مع بناتِهِ وبنيه ..
ومنهجٌ لكلِّ سائرٍ يُريدُ دربَ الخيرِ وما يحتويه..
هي السيرةُ الوحيدةُ التي تقرأُها بدونِ قيودٍ مُسبَقَة ..
وهي الحياةُ المليئَةُ بالجمال .. وبكُلِّ خيرٍ مُطْبِقَة ..
صِدْقٌ في البدايةِ والنّهاية ..
وبذْلٌ مُتواصِلٌ من أجلِ نشرِ الهداية ..
كم يأنَسُ المرءُ وهو يقرأُ هذه السيرةَ الفريدة ..
وكم تسعَدُ الرُّوحُ وهي تُلامِسُ بعضَ معانيها المجيدة ..
إنَّكَ لتحتارُ حقّاً .. أيُّ مواقِفِه صلّى الله عليهِ وسلّمَ هو الأعجب ..
أفي تعامُلِهِ مع الصبيانِ والنِّساء ؟! ..
أم في تعامُلِهِ مع الأصحابِ والأصدقاء ؟! ..
أم في تعامُلِهِ مع المُناوئينَ لدعوتِهِ والأعداء ؟! ..
لا تكادُ تستثني من حياتِهِ وقتاً ليسَ فيه عِبْرَة ..
ولا تكادُ تقرَاُ في كثيرٍ من سيرَتِهِ إلاّ وتخنُقُكَ فيها العَبْرة ..
كم عرفْنَا من سيرَةِ الأقزام ؟ ..
وكم قرأْنَا عن حياةِ أُناسٍ ليست علينا بإلزام ؟ ..
ذَهبت جُهودٌ وأوقات .. من أجلِ مُتابعةِ أخبارٍ فنٍّ وطَرَبٍ وتمثيل ..
وأُنفِقت ملايينُ الريالات .. من أجلِ مُلاحَقةِ أنباءِ رياضةٍ وكورَةٍ وتضليل ..
ألا فلنَتُب إلى الله القائلِ في سورةِ النور عن نبيِّهِ صلّى الله عليهِ وسلّم : (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) ..
فلا هِدايةَ لنا إلاّبِطاعَتِه .. ولا طاعةَ لنا إلاّ بمعرِفَةِ سيرَتِهِ ومُتابَعَةِ سُنَّتِه صلّى الله عليهِ وسلَم .
فيا الله .. لكَ الحمدُ على هذهِ النّعمةِ المُهداة ..
ويا الله .. لكَ الحمدُ في آخرِ الأمرِ وفي مُبتداه ..
فوا عَجَباً لكثيرٍ من النّاس .. بل لكثيرٍ من الدُّول .. بَذَلَتِ الأموالَ الكثيرةَ .. وسخّرت الطاقاتِ العظيمَة .. كلُّ ذلكَ من أجلِ صِناعةِ إعلامٍ ضخمٍ .. مُهمَّتُه تسليطُ الأضواءِ على منلا يستحِقُ الأضواء .. وإبرازُهم على أنَّهم الأبطالُ الحقيقيّون الذين يجب أن تشرئبَّ إليهمُ الأعناق .. وأن تسيرَ أخبارُهم في الآفاق ..
إنَّ سيرة النبي صلّى الله عليهِ وسلّم هي أعظمُ كنزٍ أنعمَ الله به علينا بعد كتابه العزيز ..
وإنَّ علينا أن نُشرِكَ الجميع في التعرُّفِ عليه والنَّهلِ من مَعينه ..
ألا فلنُقدّم هذه السيرةَللقاصي والداني ..
ولنجعل الجميع يتعرَّضُون لنفحاتِ سيرَته وَعظيمِ ما فيها من المعاني ..

_______________
_________
**(( إجابَةٌ واحدة .. وأسئلةٌ متعدّدة ))**
لماذا لا نخشعُ في صلاتنا ولا نتلذَّذُ بها ؟!
لماذا تعظيمنا لأوامرِ الخلق في كثيرٍ من الأحايين أكبرُ من تعظيمنا لأوامرِ الربِّ سبحانه وتعالى ؟!
لماذا خانت بعضُ الأعيُن ؟!
لماذا كذبت بعضُ الألسُن ؟!
لماذا تلوّثت بعضُ الآذان ؟!
لماذا تساهَلَ الكثيرُ باكتساب المال من الحرام أو ما فيهِ شبهةُ الحرام ؟!
لماذا قلّت قراءتنا للقرآن وتدبُّرنا له ؟!.. وفي المقابل زادت متابعتنا للجرائدِ والمجلاّت !!
لماذا يعصي البعض ، فيستُرُ الله عليه .. فيصبِحُ وقد هَتَكَ سِترَ الله .. فيذهَبُ لِيُخبِرَ الناسَ بمعصيته .. ويفتَخِرَ بذنبه ؟!
لماذا تغيّرت كثيرٌ من الفتيات ؟! .. فلا الحجابُ هو الحجاب ! .. ولا الحياءُ هو الحياء !
لماذا أصبحت أمّهات المؤمنين كخديجة وعائشة وحفصة وأمُّ سلمة .. لا يُشكّلنَ قدراً في قلوبِ الكثيرات ؟!
لماذا استهانَ الكثير من المسؤولين بتطبيق حُكْمِ الله تعالى .. بل عارضوه وحاولوا وأده ؟!
لماذا أصبحنا نسمعُ بين الحينِ والآخر عن تَساقُطِ بعضِ أهلِ الخير من الرجال والنساء .. ونكوصِهم عن دربِ الحقِّ والسعادة ؟!
لماذا بعضُنا ينجَحُ في تربيةِ لحيته مقتدياً بالنبيِّ صلى الله عليه وسلّم .. ثمَّ نراهُ يُخفِقُ في تعامله مع النساء .. فيكذب ويخدع ويتساهل ؟!
لماذا نقراُ القرآن فلا تنتَفِضُ جوارحنا ولا تقشعرُّ جلودنا .. في حينِ أن بعضنا يتفاعَلُ كثيراً وهوَ يستَمِعُ إلى أغنيةٍ أو نشيد ؟!
لماذا تفشّت أمراضٌ أخلاقيّة ما كانت في مجتمعاتنا ؟!
ولماذا نَفِذَ صبرُ البعض وهو متمسّكٌ بدينه وأخلاقه ؟!
لماذا .. ولماذا .. ولماذا ؟؟!!
اسألوا عن ما شئتم أيُّها الأحباب .. فإنَّ الجوابَ واحد ..
لأنَّ قلوبنا تحتاجُ إلى صقلٍ وتطهيرٍ وإصلاح ..
والقلبُ يصدأُ كالحسامِ لعارضٍ *** يطرا عليهِ وصقلُهُ التذكيرُ
وصَدَقَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم حيثُ يقول :
" إنَّ في الجَسَدِ مضغة إذا صَلحت صلح الجَسَدُ كلّه .. وإذا فسدت فَسَدَ الجَسَدٌ كلّه .. ألا وهيَ القلب "
فو الله العظيم لو صَلَحت قلوبُنا .. لصَلَحت أعمالُنا .. واستقامَ حالُنا .. وطَهُرت مجتمعاتُنا .. وتقدّمت أُمتُنا .. وهابنا أعدائُنا .. وأرضينا ربّنا .. وفزنا بالسعادةِ دُنياً وآخرة ..
* من أحبَّ الاستزادة .. فهناك شريط لأخيكم خالد بعنوان " هذا هوَ السرّ " .. إصدار تسجيلات العصر الإسلامية .. الرياض - حي الروضة –
..................................
***(( ومَرِضَــــت أمِّي ))***
كنتُ قبلَ شهرٍ تقريباً في مدينةِ الخُبر (شرق المملكة) .. للقيامِ بِبَرنامجٍ دعويٍّ في المنطقة .. وبعدَ صلاةِ الجُمعة اتصلت عليّ إحدى أخواتي لِتُخبِرَني بأنَّ والدتي ترقُد في المستشفى الآن بسَبَبِ جلطةٍ دماغيّةٍ أصابتها صباحَ هذا اليوم !!
حمدتُ ربي سبحانه وتعالى واستغفرتُهُ وطلبتُ منهُ ا
لمعونةَ والتيسيرَ أمامَ هذا الخَبَرِ الذي اخترقَ فؤادي .. وأقلقَ استقراري .. فما كانَ منّي إلاّ أن عجّلتُ السيرَ إلى مدينتي الرياض .. مستثمراً ساعةَ الإجابةِ بعد العصر في الدعاءِ لها وطلبِ العافيةِ من ربّي وربّها .
وما إن وصلْتُ إلى الرياض حتى ذهبتُ مباشرةً إلى المستشفى لأستمتعَ بالنظرِ إليها .. والحديثِ معها .. وبذلِ كلّ عملٍ يُكسِبُني رِضاها ..
إنّها أمي ..
إنّها والدتي ومُرضعتي ..
إنّها البابُ الواسعُ للدخولِ إلى رضا ربِّ الأكوانِ وخالقِ البشرِ والجانّ ..
إنّها الطريقُ المختصرُ للوصولِ إلى جنّاتِ النعيم ..
سلّمتُ عليها وقبلتُ رأسها .. وحاولتُ الحديثَ معها بكلماتٍ تزيدُ من فألِها وصبرِها .. فإذا بها تحاوِلُ التجاوُبَ معي .. والابتسامة في وجهي .. لكنَّ المرضَ قد تمكّنَ من نِصفها الأيمن .. فما هيَ إلاَّ طَرَفُ ابتسامةٍ .. وصوتُ كلماتٍ تفهم البعض .. ويفوتُ البعض ..
فيا سبحانَ الله .. ما أقواهُ وأضعَفَنا ..
وما أغناهُ وأفقرَنا ..
جزءٌ يسيرٌ في المخْ لم يَصِلْ إليه الدَّمُ .. فتكونُ هذه النتيجة ..
فيا ربِّ لكَ الحمدُ على نِعَمٍ عظيمةٍ وجليلةٍ ألبستنا إيّاها ونحنُ غافِلونَ عنها .
ما بينَ غمضةِ عينٍ وانتباهتها يغيِّرُ الله من حالٍ إلى حالِ
سافرْتُ وهيَ بصحّةٍ جيّدةٍ وعافيةٍ مستقرّة .. وما هوَ إلا يومان ..
فأصبَحَتْ عاجزةً عن الكلامِ والحركة .. وإنّا لمحسِنونَ الظنَّ بربّنا أن يُعيدَ إليها عافَيتَها وأن يجعَلَنَا جميعاً من الشاكرين .
إني لأرجو أن لا تتّهمونني بالمبالغة وأنا أتحدّثُ عن أمّي .. فما هوَ إلاّ الواقِعُ والحقيقة ..
إنّها - شافاها الله - من النساءِ الأوائل .. طِيْبَةًً وأدباً .. وحياءً وأخلاقاً .. حرصٌ على الصلاة فرضِها ونفلِها .. كثرةٌ من حمدِ الله وشكره .. صبرٌ على نوائبِ الدهرِ الشديدةِ التي كانت كالطّوامِّ عليها مع استعانةٍ بالله .. احترامٌ للبيت وراعيه .. وعدمُ خروجٍ منهُ إلاّ عندَ الحاجة لذلك .. ويا ليتَ شعري ما مفهوم الحاجةِ عندها أمامَ مفهومِ الحاجةِ
عندَ كثيرٍ من النساءِ الآن ..
شعلةُ نشاطٍ أيّامَ قُدرَتِها .. وهمّةٌ عاليةٌ أيّامَ عجْزِها ..
حبٌّ للخيرِ وأهله .. وتضامنٌ من الدعاة والمظلومين في كلِّ مكان من
خلالِ دعواتٍ ترفَعُها إلى السماء ..
حياءٌ عجيبٌ عندَ الحاجةِ لمحادثةِ أحدِ الأقارب .. حتى وإن كانَ لمجرّدِ سلامِهِ عليها ..
محبوبةٌ بفضلِ الله تعالى عندَّ جميعِ جيرانِها ..
تستّرٌ عجيبٌ عندَ خروجِها من المنزل .. وهي التي تسيرُ في عقْدِها الثامن من حياتِها .. ولو كشفت وجهها لجازَ لها .
سافَرَتْ والدتي قبلَ ثمانِ سنواتٍ تقريباً إلى الولاياتِ المتّحدةِ .. وهيَ بنفسِ هيئتِها لم تُغيّر شيئاً من حِجابِها ، وسارت هناكَ في بعضِ شوارِعِهم وكأنَّها تسيرُ في شارِعٍ من شوارِع القصيم (*) .
إنَّ كثيراً من أهلِ هذا الجيلِ الأوّل ليتحقّقُ فيهم كثيرٌ من معاني التوكّلِ على الله وحسنِ الظنِّ به .. ورجاءِ اليومِ الآخر .. ما لا يتحقّقُ عندَ كثيرٍ من أهلِ هذا العصر .. معَ أنّكَ تكادُ تجزمُ أنَّ ما عندَهم من العلمِ لم يكن بالقدرِ الكبير .. لكنّها معانٍ فَقِهُوها وتمسَّكوا بها .. وأحوالٌ صدقوا فيها معَ ربِّهم عزَّ وجل .. وكم من إنسانٍ عندهُ علمُ التوكّل .. وليسَ عندَهُ حالُ التوكّل .. وكم من إنسانٍ عندهُ كثيرٌ من التفصيلاتِ عن اليومِ الآخر .. وليسَ عندهُ كثيرُ عملٍ واستعدادٍ له ..
أمَّا هؤلاء .. فنفوسٌ صافيةٌ .. وقلوبٌ طاهرةٌ .. وأعمالٌ مباركةٌ .. وإحسانُ ظنٍّ بالكريمِ سبحانه وتعالى .
كنتُ أحاولُ دائماً أن أرضيها .. فلمّا تُوفي والدي - رحمه الله تعالى - قبلَ سبع سنواتٍ تقريباً .. زادَ حرصي عليها .. وبدأتُ أشعر بأنّها كنز -كما هو الوالد- يمكنُ أن يذهبَ عنّي أو أذهبَ عنه بدونِ سابقِ إنذار .. فوجبَ عليَّ أن أحافظَ عليه أشدّ من محافظة أهلِ الدنيا على دنياهم .
كم تحسّرتُ حينما فقدّتُ والدي - رحمه الله - على أعمالٍ كانت في متناولِ يدي ولم أقدّمها له ..
كنّا نتناوبُ أنا وإخواني على مرافقته في المستشفى في أيّامه الأخيرة .. وأمّا الآن فأقول : لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت لكنت أنا المرافق الدائمُ معه .
وهاهي أمّي تصابُ الآن بما قدّره الله الحكيمُ لها .. فيا ربِّ ارزقني برّها ..
وسخّرني لخدمتها .. واجمعني عندكَ معها ..
ويا أيّها الأولاد ذكوراً وإناثاً .. تذكّروا قول المنّان .. في سورة الرحمن :
(هل جزاءُ الإحسانِ إلاَّ الإحسان ) .
فبرّوا بالآباءِ والأمّهات ..
وأحسنوا إليهم بأنواعِ البرِّ والهبات ..
قبّلوا الأيادي والجباه ..
وشنّفوا الآذان بكلامٍ جميلٍ تنطِقُ به الشفاه ..
واصِلوا معهم العطاءَ والبذل ..
ولا تمنّوا عليهم فهم بحقٍ أصحاب المنِّ والفضل ..
اعرِفوا رغباتِهم قبل أن ينطِقوا ..
ولكلِّ ما يريدون - في مرضاة الله- فسارِعوا وحقّقوا ..
إن أخطئوا في حقّك فكم أخطأتَ .. وإن أتعبوكَ فكم أتعبتَ ..
يا الله .. ما أعظمَ حقهم .. وما أجلّ قدرهم .. وما أكثر المقصّرَ معهم ..
أترسُمُ البسمةَ في وجوهِ أصدقائك .. وتحرمهم إيّاها !..
أتقدّمُ الهديّة لزوجتك وأولادِك .. وأمّا معهم فتنساها !..
كم خدموكَ وبذلوا من أجلك وهم يتمنّونَ بقاءك ..
أوَ تخدمهم في حالِ ضعفهم وأنتَ تُخفي في داخلِك الرغبةَ في ذهابهم !!
فلنُقبل على ربِّنا عزَّ وجل ..
ولنتب من ذنوبِنا على عجل ..
ولنكن بسببِ تقصيرِنا على وجل ..
وهيّا لتصحيحِ العلاقةِ مع آبائنا وأمّهاتنا .. إحساناً إليهم .. ودعاءً لهم .. وتفقّداً لأحوالِهم .. وتلطفاً في الحديثِ معهم .. ورسمَ الابتسامة على وجوههم ..
وإنَّ أعظمَ الإحسان .. ما كان يتعلّقُ بالأديان ..
فالحرصَ الحرصَ على هدايتهم إلى الله ..
والتذكيرَ التذكيرَ لهم إن كانوا من العصاه ..
والفوزَ الفوزَ لمن خرجَ من الدنيا وقد رضيَ عنه والداه ..
( يا ربِّ شافِ أمّي وجميع مرضى المسلمين .. وألحقنا بهم في الصالحين )
الاثنين / 20 من شهر صفر / 1427 هـ
(*) قالَ أحدهم : حتّى شوارع القصيم الآن ليست كما كانت .
<<الصفحة الرئيسية









